ابن كثير
257
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
رضي اللّه عنه ، ثم ليعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان ، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل ، وما أقل الصدق فيه ، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحا . قال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن بشار ، حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا سفيان عن سليمان بن عامر عن عمارة بن عمير عن حريث بن ظهير عن عبد اللّه - هو ابن مسعود - قال : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل ، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية تدعوه إلى دينه كتالية المال . وقال البخاري « 2 » : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، أخبرنا ابن شهاب عن عبد اللّه بن عبد اللّه عن ابن عباس قال : كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحدث تقرؤونه محضا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟ لا واللّه ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم . وقال البخاري « 3 » : وقال أبو اليمان : أخبرنا شعيب عن الزهري ، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة ، وذكر كعب الأحبار ، فقال : إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب ، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب . ( قلت ) معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد ، لأنه يحدث عن صحف يحسن بها الظن ، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة ، لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة ، ومع ذلك وقرب العهد ، وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة لا يعلمها إلا اللّه عز وجل ، ومن منحه اللّه تعالى علما بذلك كل بحسبه ، وللّه الحمد والمنة . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 47 إلى 49 ] وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ ( 47 ) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ ( 49 ) قال ابن جرير « 4 » : يقول اللّه تعالى كما أنزلنا الكتب على من قبلك يا محمد من الرسل ، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب ، وهذا الذي قاله حسن ومناسبته وارتباطه جيد . وقوله تعالى :
--> ( 1 ) تفسير الطبري 10 / 151 . ( 2 ) كتاب الاعتصام باب 25 ، والتوحيد باب 42 . ( 3 ) كتاب الاعتصام باب 25 . ( 4 ) تفسير الطبري 10 / 151 .